ليس من قبيل المبالغة القول إن قيام الدولة الصفوية في إيران شكّل كارثة لإيران والعالم الإسلامي معًا، إذ ظلت إيران قرابة تسعة قرون تتبع مذهب أهل السنة والجماعة، فكانت الصبغة السنية واضحة في جميع ألوان النشاط البشري لأهلها، وهو ما مكّن هذا القُطر من المساهمة في بناء صرح الحضارة الإسلامية بواسطة علمائها، أمثال: البخاري، ومسلم، وسيبويه، والفراهيدي، والبيروني، وغيرهم.
لكن بقيام الدولة الصفوية في إيران؛ تغيّر مسار النشاط البشري فيها تغيُّرًا جذريًّا في جميع مجالات الحياة: العقدية، والفكرية، والفنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، ووُجّه الإيرانيون إلى وجهة مغايرة تتسم بالعداء الصارم لكل ما له صلة بأهل السُّنَّة.
فقد كان قيام هذه الدولة مقترِنًا بالقضاء على مذهب أهل السنة في إيران، كما تزامن مع ارتكاب مذابح ومظالم بحقهم، والتضييق عليهم في أغلب عهود الحكم الصفوي.
كما أن التعصب المذهبي أوقع الصفويين في محذور عقدي؛ وهو التحالف مع الدول النصرانية في أوربا؛ أملاً في إضعاف الدولة العثمانية السنية التي كانت تقود الجهاد ضد الصليبيين؛ رافعةً راية الإسلام، فاتحةً القسطنطينية، غازيةً في أوربا، مما أضعف الفتوحات الإسلامية في هذه الجهة وأعاقها.
وفي المقابل، رحب الصفويون بإقامة النصارى في بلادهم وعاملوهم بكل احترام وتقدير، ووثّقوا صِلاتهم الاقتصادية بالدول النصرانية في أوربا، وسمحوا للتجار الأجانب بِحُرية الحركة في المدن الإيرانية، ومنحوهم الامتيازات التجارية؛ مما شجع على ازدياد النفوذ الأوربي في منطقة الخليج، حيث مهَّدوا له الطريق بعقد التحالفات العسكرية والتجارية مع البرتغاليين والهولنديين والإنجليز، فكان عهدهم بامتياز هو عهد إدخال قوى الاستعمار الأوربي في هذه المنطقة.
وهكذا نلاحظ موقف الرافضة في إيران من السنّة في هذا البلد أو في البلاد العثمانية، على أنهم أشد خطرًا عليهم من أي عدو آخر، فنكّلوا بأهل السنّة في إيران، وجاهروا العثمانيين بالعداء، بينما أظهروا الود والموالاة للدول الأوربية النصرانية والنصارى المقيمين في إيران. وقامت السياسة الصفوية على هذا الأساس طوال مدة حكمهم التي استمرت أكثر من قرنين من الزمان من سنة 907هـ (1507م) إلى 1148هـ (1735م).
المعاملة السيئة لأهل السنة
بعد دخول إسماعيل الصفوي مدينة تبريز، أصر على أن كل من يخالف التشيع ويرفضه، فإن مصيره القتل، حتى ذُكِر له أن عدد سكان تبريز السُّنَّة لا تقل نسبتهم عن الثلثين (65%)[1]؛ فقال: إن من يقول حرفًا واحدًا، فإنه سيسحب سيفه ولن يترُك أحدًا يعيش. وقد رُوي أن عددَ مَنْ قُتِلوا في مذبحة تبريز أكثر من عشرين ألف شخص، ومورس ضد السكان السنَّة أبشع أنواع القتل والتنكيل، حيث قُطِّعت أوصال الرجال والنساء والأطفال ومُثِّل بالجثث[2].
وبعد هزيمته للأوزبك في محمود آباد -وهي قرية تبعد قليلاً عن مرو- سنة 916هـ/1510م، أعمل إسماعيل الصفوي القتلَ في أهل مرو، وأمضى فصل الشتاء في هراة، وأعلن فيها المذهب الرافضي مذهبًا رسميًّا، على الرغم من أن أهالي هذه المناطق كانت تدين بالمذهب السني. كما سعى تعصُّبًا إلى إنشاء عدد من المدارس لتدريس مذهبه، ونشره بين الناس[3].
وكان الشاه عباس الأول أيضًا شديدَ الحرص على نصرة المذهب الرافضي؛ مما دفعه للبطش بالمخالفين وإلحاق الأذى والضرر بهم، وبخاصة أهل السنة.
وكان عباس هذا ينتقم من أهل السنة متى واتته الفرصة لذلك. وقد وصل العداء به إلى درجة أنه حاول إقناع الإيرانيين بالتخلي عن الذهاب إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مشهد؛ وذلك لأن الواجب القومي -في زعمه- يحتِّم عدم سفر الإيرانيين إلى مكة عبر أراضي العثمانيين السنة؛ حتى لا يدفعوا لهذه الدولة المعادية رسمَ عبور[4].
ويعلِّل رولان موسينيه هذا التصرف بالحيلولة دون خروج الذهب من البلاد[5].
ولكي يرغِّب قومه في هذه الفكرة؛ كان عباس الأول يكثر من التردُّد على مشهد وزيارة قبر الإمام الثامن بها. كما أن سيْرَه على الأقدام من أصفهان إلى مشهد كان وسيلة من وسائل ترغيبهم في تقليده والحج إلى ذلك المزار القبوري، بدلاً من التوجُّه إلى الكعبة المشرفة في مكة[6]. ولذلك اعتاد الفرس أن يحجوا إلى مشهد بدلاً من الحج إلى مكة المكرمة[7].
وكانت المعاملة السيئة التي عامل بها الأكرادَ الإيرانيين مرجعُها بالدرجة الأولى إلى تبعية هؤلاء الأكراد للمذهب السُّنِّي، وعدم قبولهم الدخول في مذهب الرافضة؛ مما جعلهم هدفًا لغضبه وحقده، ووصل الأمر في تعنّته معهم إلى درجة التشريد في البلاد، ونقلَ عددًا كبيرًا منهم من كردستان إلى خراسان، وسبّب لهم ألمًا نفسيًّا وإحساسًا بالظلم والغربة والتشرد[8].
وكان الشاه عباس الأول قاسي القلب، خشنًا مع الأسرى السنَّة من العثمانيين والأوزبك. وكان أقل عقاب يوقع عليهم -إنْ لم يُقتلوا- هو سَمْل عيونهم. ولم يكن يصفح عن أي أسير منهم إلا إذا أعلن تخلّيه عن المذهب السني ودخوله في المذهب الرافضي[9].
وقد نقل جلال الدين محمد اليزيدي (المنجِّم الخاص) للشاه عباس في كتابه (تاريخ عباسي) العديدَ من مظاهر تعنته مع أهل السنة، منها:
- أنه نزل في عام 1008هـ (1599م) ببلدة سمنان، وبسبب تطاول حاكمها عليه وعدم امتثال أهلها لقوانينه؛ اعتُقِل عدد كبير من أهل السنة بها، وأمر عباس بإطعام عوامهم بآذان علمائهم وأنوفهم، ثم حصّل 300 تومان منهم تكفيرًا لجرمهم[10].
- وفي عام 1018هـ (1609م)، بلغه أن حاكم مدينة همذان -ويدعى (محمود الدباغ) وهو سني المذهب- كان يؤذي الشيعة هناك، فأمر بإلقاء القبض عليه والفتك به، ولكن محمودًا اختفى، فأصدر الشاه أمرًا مؤداه: إذا لم يظهر محمود الدباغ في ظرف ثلاثة أيام، فسيُقتل كل أفراد القبائل السنية في المدينة، ويُستولى على أموالهم ونسائهم وأطفالهم، وأخيرًا ألقي القبض على الدباغ وأُعدِم[11].
- وفي عام 1020هـ (1611م)، زار عباس قبر الشيخ زاهد الجيلاني مرشد جده صفي الدين الأردبيلي، وتصدق بأموال طائلة، وأمر أن توزع على خُدَّام القبر وزوَّاره، بشرط ألا يقدَّم منها شيء لأي سني، كما قام بلعنهم[12].
وعلى العموم، فإن الصفويين الذين أقاموا دولة فارسية رافضية متعصبة في إيران، حاربوا أهل السنة الذين كانوا أكثرية في البلاد بكل الوسائل المتاحة لهم.
تشجيع نصارى أوربا على القدوم إلى إيران واحترامهم
بدأ هذا التشجيع منذ عهد إسماعيل الأول، وبلغ أَوْجَه في عهد الشاه عباس الأول؛ ففي رسالة بعثها البوكيرك -الحاكم البرتغالي في الهند- إلى الشاه إسماعيل الأول جاء فيها: "إني أقدّر لك احترامك للنصرانيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند. وإذا أردت أن تنقضَّ على بلاد العرب أو تهاجم مكة، فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي، وسأنفذ له كل ما يريد"[13].
كما أن الصفويين في شخص عباس الأول شجّعوا لأول مرة بناءَ الكنائس، وأطلقوا العنان للمنصِّرين والقسس؛ ليفسدوا في بلاد المسلمين وليرفعوا رايات الشرك والضلال.
وقد تساهل شاه عباس الأول تساهلاً لم يُسبق له نظير مع النصارى، وأصدر مرسومًا إلى رعاياه يؤكد فيه أنهم أصدقاؤه وحلفاء بلاده، وأنه يأمرهم باحترامهم وتبجيلهم وإكرامهم أين حلوا. كما فتح بلاده للتجار الإفرنج، وأوصى ألاَّ تؤخذ الرسوم على بضائعهم، وألا يتعرض لهم أحد من الحكام أو الأهالي بسوء. وقد اشتهر هذا السلطان بحسن معاملته للنصرانيين من كافة الأجناس[14].
ويرى شاهين مكاريوس أنه أول من فعل مثل ذلك من سلاطين المسلمين في بلاد إيران[15].
وقد أرسل ملوك أوربا رسلَهم وتجارهم لزيارة إيران، وعقد معاهدات سياسية وصفقات تجارية مع الشاه عباس الأول؛ لتوفير كل متطلبات الأمن والراحة لهؤلاء الأوربيين[16].
وفي عهد هذا الشاه، جاء اثنان من أكابر الإنجليز إلى إيران، وهما: أنتوني شرلي
(SheRly) وأخوه روبرت شرلي، ومعهما خمسون فارسًا، فأمر عباس باستقبالهم وإكرامهم، وقرّبهم منه وأجزل لهم العطايا. فحين وصلت هذه البعثة الإنجليزية إلى قزوين والشاه عباس موجود في خراسان، أصدر أوامره إلى عماله في قزوين بأن يحسنوا وِفادتهم، ويبالغوا في إكرامهم حتى يعود إلى قزوين. فوجد حين عاد جميع أعضاء البعثة يقفون على مشارف المدينة مع مستقبليه من كبار رجال الدولة الصفوية، فصافحهم وصحبهم إلى داخل قزوين، وأَنعم عليهم بإنعامات كثيرة، منها: مائة وأربعون من الخيل، ومائة بغل، ومائة جمل، ومبلغ عظيم من المال، ثم صحب أفراد البعثة معه إلى العاصمة أصفهان، حيث قضوا في ضيافته ستة أشهر[17].
واستشار كبيرَهم أنتوني شرلي في أمر الحرب مع العثمانيين، فأشار عليه بتعليم جنوده مبادئ العسكرية، وبالتحالف مع دول أوربا ضد السلطنة العثمانية، فرضي الشاه بقوله، وانتدبه سفيرًا لينوب عنه أمام حكومات أوربا في هذا الأمر، وأصدر (فرمانًا) بذلك يدل على ثقته التامة بهذا الرجل الإنجليزي الذي صار من أعظم المقربين إليه[18].
وفي عهد الشاه عباس الثاني (1642 - 1666م)، منح الناسَ حرية الأديان، وتمتع الأوربيون في أيامه بالحرية وبنعمة السلطان، فكان تُجَّارهم أدنى مجلسًا منه ويروون الأمور عنه[19].
وهكذا نلاحظ في عصر الصفويين علاقات وثيقة مع الكفار، وانسج
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ